فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث

 بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت

 English Version
الصفحة الأولى  صور  خرائط تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع  الصراع للميتدئين إتصل بنا من نحن
الصهيونية وآثارها
شارك في تعليقك (4 تعليقات)
أرسل لصديق
English Version

النسخة الأصلية كتبت في تاريخ 1 حزيران، 2007

Ann M. Lesch

لقد حافظت الحركة الصهيونية على الاستمرارية في تحقيق اهدافها وأساليبها على مدى القرن الماضي. منذ البداية سعت الحركة الصهيونية لتحقيق أغلبية سكانية لليهود في فلسطين وإنشاء دولة يهودية على أكبر قدر ممكن من أراضي فلسطين. لتحقيق هذه اللأهداف تم إستخدام الكثير من الاساليب ومنها تشجيع الهجرة اليهودية وشراء أكبر مساحات ممكنة من اراضي فلسطين لتصبح وقف غير قابل لتصرف لكل الشعب اليهودي. كانت هذه السياسة السبب الرئيسي الذي منع السكان العرب الاصليين من تحقيق اهدافهم الوطنية واقامة دولتهم الفلسطينية، ولنجاح هذه السياسة اُستوجب تشريد الشعب الفلسطيني من أرضه عندما كان تواجدهم يقف أمام تحقيق الأهداف الصهيونية.

لقد فشلت الحركة الصهيونية ،ومن ثم دولة اسرائيل، من تطوير أساليب إيجابية للتعامل مع التواجد الفلسطيني وطموحاته. على الرغم من ان العديد من الاسرائيليين قد إعترفوا بهذه المعضلة الاخلاقية (التي يطرحها التواجد الفلسطيني)، لكن الأغلبية منهم حاولت إما تجاهل هذه المعضلة او إستخدام القوة لإجبارالشعب الفلسطيني على الرضوخ للإرادة الصهيونية. وهكذا فإن مشكلة فلسطين، نمت وترعرعت بدلاً من حلها.

الخلفية التاريخية

نشأت الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر في اوروبا متاثرة بالقومية التي إجتاحت القارة، وكانت ركيزتها إستغلال رغبة اليهود للعودة الى صهيون منذ القدم وإستغلالها لتزايد العداء للسامية في اوروبا خاصةً في روسيا القيصرية .يرجى الملاحظة بأن الحركة تطورت ايضا فى وقتٍ تزامن مع التوسع الاستعمارالاوروبي في آسيا وإفريقيا مما مكنها من إستغلال تنافس القوى الاستعمارية في الشرق الاوسط لتحقيق أهدافها.

بسبب التقارب بين القوى الاستعمارية والحركة الصهيونية، نظرت الحركات القومية في الشرق الاوسط نحو الحركة الصهيونية بأنها إمتداد للاستعمار الأوروبي. علاوة على ذلك، إدعاء الصهاينة بحقهم على سيادة فلسطين بسب "روابطهم التاريخية"، وتفاقم الهجرة اليهودية لفلسطين وإقترانها بشراء الاراضي، كل هذا ادى لإنزعاج شديد للسكان الاصليين في المناطق العثمانية التي تضم فلسطين. في ذلك الوقت كانت نسبة اليهود السكانية قد إرتفعت من 6% في عام 1880 إلى 10% بحلول 1914. مع أن هذا التزايد كان ضئيلاً، إلا أن مجاهرة الصهاينة بأهدافهم القومية كانت كافية لحمل الكثير من الزعماء المحليين للضغط على الدولة العثمانية لحظر الهجرة اليهودية لفلسطين وتقييد بيع الأراضي للصهاينة.

منذ 1891 قامت مجموعة من وجهاء المسلمين والنصارى بإرسال برقية الى إستانبول حثت الحكومة العثمانية على منع الهجرة اليهودية وبيع الاراضي لليهود، ونتيجة لذلك صدر مرسوم حكومي نص على التقليص الجذري لشراء الاراضي في سنجق (مقاطعة) القدس فى غضون العقد القادم. وعندما قرر الكونغرس الصهيوني في عام 1905 زيادة حجم الإستعمار في فلسطين، قامت الحكومة بتعليق جميع عمليات نقل ملكية الاراضي لليهود في سنجقي القدس وبيروت.

بعد إنقلاب تركيا الفتاة ضد الحكومة العثمانية عام 1908، إستغل الفلسطينيون تمثيلهم في البرلمان العثماني وصلتهم بالصحف المحلية للتعبير عن مطالبهم ومخاوفهم من الحركة الصهيونية. عندما تفاوضت حكومة تركيا الفتاة مع المنظمة الصهيونية العالمية في 1912-1913 لشراء الاراضي الأميرية (جفتلك) الموجودة في محافظة بيسان، كانت معارضة النواب الفلسطينيين صاخبة ولكن كانت بلا جدوى حيث تم بيع الاراضي للمنظمة الصهيونية بسبب إاحتياج الحكومة التركية للاموال.

الحركة الصهيونية لم تحاول إخماد مخاوف الفلسطينيين، إذ كان تركيزها على تشجيع هجرة اليهود الاوروبيين لفلسطين والتقليل من العقبات أمامهم بأكبر قدر ممكن. الجهد الوحيد الذي حدث لمناقشة التطلعات الفلسطينية والصهيونية كان في ربيع عام 1914 الذي أظهر تناقض أهداف وطموحات الجانبين. فقد أراد الفلسطينيون من الصهاينة تقديم وثيقة تنص على التالي:-

  1. توضيح الطموحات السياسية للحركة الصهيونية.
  2. المطالبة بفتح مدارس الحركة الصهيونية أمام الطلبة الفلسطينيين.
  3. معرفة نوايا الحركة الصهيونية نحو تعلم المهاجرين اليهود للغة العربية وإندماجهم مع السكان المحليين.

رفضت الحركة الصهاينة كل هذه الاقتراحات.

الانتداب البريطاني

تحول الوضع السياسي في فلسطين بالكامل بعد الإعلان عن وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 ووصول القوات البريطانية لفلسطين، فوعد بلفور كان منعطف مهم لأنه أعطى الحركة الصهيونية الغطاء القانوني التي سعت لتحقيقه منذ تأسيسها. بالرغم من ان الوعد نص: بان لا يتم تجاوز الحقوق المدنية والدينية للسكان الموجودين في فلسطين من غير اليهودية، هذا النص لم يقلق الصهاينة خاصةً وأن الوعد قد أشار فقط: للحقوق المدنية والدينية، وليس للحقوق السياسية او الوطنية. بعد إحتلال البريطان لفلسطين، قاموا بتوفير كافة الحمايات القانونية والامنية والمالية اللازمة لتحقيق أهداف الحركة الصهاينة.

غضون الحرب العالمية الاولى قدمت بريطانيا ثلاثة وعود متناقضة تخص مستقبل فلسطين وهي كالتالي:-

  1. إتفاقية سايكس - بيكو لعام 1916 مع الحكومات الفرنسية والروسية التي إقترحت ان تكون فلسطين تحت الادارة الدولية.

  2. مراسلات الحسين - مكماهون (التي حدثت ما بين اعوام 1915-1916) ومن مضمونها ان تكون فلسطين في المنطقة العربية المستقلة مقابل ثورة العرب ضد الحكم العثماني.

  3. على النقيض من ذلك، وعد بلفور بتحويل فلسطين لوطن قومي لليهود تحت الحماية البريطانية.

اعترف المسؤولون البريطانيون بتناقض هذه التعهدات لكنهم كانوا يأملون بتوافق كل الاطراف، سواءاً بين الدول الامبريالية المتنافسة "فرنسا وبريطانيا"، او فيما بين الفلسطينيين والصهاينة. بدلاً من التوافق كانت النتيجة على العكس تماماً، فهذه التناقضات مهدت لثلاثة عقود من الاحتلال البريطاني لفلسطين مليئة بالصراعات الحادة.

في البداية العديد من السياسيين البريطانيين شاطروا الحركة الصهيونية الرأي بالإفتراض ان تدريجية وتنظيم الهجرة اليهودية لفلسطين ستؤدي لأغلبية يهودية مع مرور الوقت، ومن ثم تصبح فلسطين دولة يهودية مستقلة مع توفيرحماية قانونية للاقلية العربية. الإفتراض بأن هذا المشروع ممكن تحقيقه دون أي مقاومة جدية من قبل الشعب الفلسطيني تبدد بسرعة في بداية الأحتلال البريطاني، ووجدت بريطانيا بأن تواجدها في فلسطين أصبح هامشي بصورة متزايدة. فبريطانيا كانت غير قادرة على إقناع الفلسطينين او الصهاينة بتغير مطالبهم مما أجبرها على نشر قوة عسكرية كبيرة للحفاظ على الأمن.

عندما تفكك الحكم العثماني إفترض الفلسطينيون حصولهم على إما الاستقلال او الاندماج مع الدول العربية المجاورة. هذه الآمال تعززت بإنطلاق الثورة العربية ضد الحكم التركي، ودخول فيصل إبن الحسين لدمشق في عام 1918 وإعلانه لإستقلال الجمهورية السورية في عام 1920. لكن سريعاً خابت آمالهم عندما فرضت بريطانيا الاستعمار المباشر وعززت من مركز الصهاينة في فلسطين. علاوة على ذلك عزل الفرنسيين لفيصل من دمشق فى يوليو 1920، ومنح البريطانيين السلطة الشكلية في شرق الأردن لعبد اللة إبن الحسين وفي العراق لفيصل إبن الحسين لم ينعكس ايجابيا على الشعب فلسطيني. هذه الهواجس تفاقمت بسبب الهجرة اليهودية التي زادت نسبة اليهود في فلسطين الى 28 فى المائة من السكان بحلول عام 1936 ووصلت الى 32 فى المائة بحلول عام 1947 (انقر هنا لرؤية خارطة تبين التوزيع السكاني في فلسطين قبل النكبة). المظلة القانونية والعسكرية والمالية التي وفرها الاحتلال البريطاني للحركة الصهيونية كانت حاسمةً لنمو وتعزيز التواجد الصهيوني على الرغم من المعارضة الفلسطينية. حتى عندما قل التأييد البريطاني للحركة الصهيونية في أواخر الثلاثينات، كان التواجد الصهيوني منذ ذلك الوقت قوي لدرجة يمكنة بالفوزعلى الفلسطينيين. بعد الحرب العالمية الثانية نجحت الحركة الصهيونية بتوفير الدعم السياسي والعسكري والمالي من الدولة العظمى الناشئة: الولايات المتحدة.

كانت ردود فعل الشعب الفلسطيني تجاه الهجرة اليهودية وشراء الأراضي والمطالب الصهيونية السياسية منتظماً ومتطابقا بشكل ملحوظ منذ البداية، وأصروا على أن تبقى فلسطين دولة عربية لها نفس الحق في تقرير المصير والاستقلال كدول شرق الاردن، مصر والعراق. بريطانيا منحت هذة البلدان الاستقلال بدون تصادم عنيف ولم يعترض عليه المستوطنين الأوروبيين. فالفلسطينيين قالوا أن فلسطين لا يمكن ولا ينبغي ان تستخدم لحل مشكلة اليهود في اوروبا، وان التطلعات الوطنية اليهودية لا ينبغي أن تلغي حقوقهم.

إشتدت ذروة المعارضة الفلسطينية للإحتلال البريطاني والطموحات الصهيونية في أواخر الثلاثينات إبتداءاً بإضراب عام 1936 (الذي إستمر لستة اشهر) والذي تبعته ثورة 36 التي شملت مناطق واسعة في المناطق القروية. لقد شملت هذه الثورة كل فئات الشعب الفلسطيني من أعلاه لأسفله، فمنهم كان العاطلين عن العمل في المدن من المشردين الفلاحين، والقرويين المثقلين بالضرائب وحتى معظم التجار والمهنيين في المدن الذين كانوا يخشون المنافسة الصهيونية. قام أعضاء من العائلات المميزة (النخبة) بالتحدث مع إدارة الاحتلال البريطاني من خلال الهيئة العربية العليا، التي شُكلت عام 1936 أثناء الاضراب العام. لكن عشية الثورة قام الاحتلال البريطاني بحل هذو الهيئة في تشرين الاول 1937 وأعتقل وطارد أعضاؤها.

كان هنالك حزب سياسي فلسطيني واحد عنده الاستعداد للحد من أهدافه والقبول بمبدأ تقسيم فلسطين لدولتين وهو حزب الدفاع الوطني برئاسة راغب النشاشيبي (رئيس بلدية القدس من 1920 الى 1934) الذي قبل بمبدأ التقسيم عام 1937 ما دام ان يحصل الشعب الفلسطيني على اراض كافية تُدمج مع شرق الاردن في دولة كنفيدرالية. لكن المفوضية الملكية برئاسة بيل اوصت في تموز 1937 بإقتلاع الفلسطينين المقيمين في أخصب الاراضي الفلسطينية الموجودة في الجليل الاعلى والاسفل وكل السهل الساحلي حتى مدينة يافا ومن ضمنها ميناءي حيفا وعكا. كان ذلك يعد خسارة كبيرة جدا حتى بالنسبة لحزب الدفاع فإنضم مع باقي الاحزاب برفضهم التقسيم.

لقد كان 70 فى المائة من المجتمع الفلسطيني خلال فترة الاحتلال البريطاني من سكان القرى و 75 الى 80 فى المائة من المجتمع كانوا من الاميين ومنقسمين داخلياً بين المدينين والقرويين، وبين اُسر النخبة واُسر القرويين. برغم التأييد الواسع لتحقيق الاهداف القومية لم يستطع الفلسطينيون من تحقيق الوحدة والقوة اللازمة لتحمل الضغوطات المشتركة من قوات الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية. في الواقع فإن الهيكل السياسي للشعب الفلسطيني إنهار بالكامل في اواخر الثلاثينيات بسبب قمع الاحتلال البريطاني للشعب الفلسطيني، وحلّه للهيئة العربية العليا وإعتقاله للمئات من السياسيين الفلسطينيين. هذا الإنهيار أدى لجهود في الاربعينات من قبل الحكام العرب لإعادة بناء الهيكل السياسي الفلسطيني وذلك لقلقهم إزاء تدهورالأوضاع في فلسطين وعواقب الإنهيار السياسي لشعبها.

اعطى الحكام العرب الأولوية لحماية مصالحهم الوطنية وإما عن دعمهم للفلسطينين في المجالات الدبلوماسية والعسكرية فقد كان محدوداً. لعدة عقود إستمر الشعب العربي الفلسطيني بالمطالبة بدولة تعكس الاغلبية العربية في فلسطين التي تناقصت الى 68 فى المائة بحلول عام 1947. لذلك رفضت غالبية الفلسطينين قرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة في نوفمبر 1947 (انقر هنا لخارطة توضيحية) الذي منح الدولة اليهودية 55 ٪ من مساحة فلسطين التي شملت فلسطينيون تعدادهم مساوي لتعداد لليهود. ومع ذلك فإن الشعب الفلسطينيي إفتقر للقوة السياسية والقوة العسكرية لدعم مطالبهم. عندما سحبت بريطانيا قواتها فى 15 أيار1948 وأعلان الصهاينة دولة اسرائيل، تدخل الحكام العرب عسكريا لحماية تلك المناطق التي خصصت للدولة العربية (انقر هنا لرؤية خارطة توضيحية). عندما إنتهت حرب 1948 وبعد توقيع اتفاقات الهدنة 1949، تقلصت المنطقة العربية الى 23 فى المائة فقط من فلسطين بحيث سيطر الجيش المصري على قطاع غزة وجيش شرق الاردن على تلال وسط فلسطين (او ما يعرف الأن بالضفة الغربية). بحد ادنى هُجر 726,000 فلسطيني من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، وبعد الحرب ضم الامير عبد الله المناطق التي إحتلها جيش شرق الاردن والتي سميت فيما بعد بالضفة الغربية.

الحركة الصهيونية

تشريد وطرد غالبية الفلسطينيين كانت نتيجة لسياسات المخطط الصهيوني لاكثر من ثلاثين سنة. في صُلب سياسة الحركة الصهيونية ركزت على إثنتين من أهدافها:

  1. تحقيق أغلبية يهودية في فلسطين
  2. وإكتساب الدولة اليهودية

وأرادت تحقيقهم بغض النظر عن رغبات السكان الأصليين. هنا يرجى الملاحظة بأن مفتاح سياسة الحركة الصهيونية كان ولايزال عدم الاعتراف بالحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني.

حاييم وايتزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، قدم أقصى المطالب لمؤتمر السلام في باريس في شباط 1919، وذكر أنه يتوقع قدوم 70,000-80,000 مهاجر يهودي سنوياً الى فلسطين، وعندما يصبح اليهود أغلبية، فإنهم سيقومون بتشكيل حكومة مستقلة وفلسطين سوف تصبح : "يهودية لليهود كما هي إنكلترا إنجليزية للانجليز". قدم وايزمان حدود الدولة المطلوبة كالتالي: البحر المتوسط غرباً؛ صيدا ونهر الليطاني وجبل حرمون شمالاً؛ جميع شرق الاردن غربي خط الحجاز الحديدي شرقاً ؛ والخط من العقبة عبر سيناء الى العريش جنوباً. قائلاً :

"الحدود المبينة أعلاه هي التي نعتبرها ضرورية للمقومات الاقتصادية للبلد. يجب ان يكون لفلسطين منافذ للبحر وسيادة وسيطرة على الأنهار ومنابعها. الحدود المبينة أخذت في عين الاعتبارالأحتياجات الاقتصادية العامة والروابط التاريخية [للشعب اليهودي] في البلد."

وعرض وايزمان على الدول العربية منطقة حرة للتجارة في حيفا وميناء مشترك في العقبة.

الطلبات التي قدمها وايزمان لمؤتمر السلام كانت مطابقة لمطالب القادة الصهاينة التي تم الاتفاق عليها مسبقاً في مؤتمرهم الذي عُقد في كانون الاول 1918. من مطالبهم ايضا التحكم في كل التعيينات الإدارية وطالبوا الانتداب البريطاني على مساعدتهم لتحويل فلسطين الى دولة يهودية ديمقراطية تضمن فيها للعرب الحقوق المدنية للاقليات. على الرغم من ان مؤتمر السلام لم يخصص كل هذه الأراضي الشاسعة للوطن القومي اليهودي ولم يدعم هدف تحويل كل فلسطين الى دولة يهودية، لكنه لم يغلق الباب أمام هذا الاحتمال. والأهم من ذلك عرض وايزمان تضمن بكل وضوح وبكل قوة الأهداف الاستراتيجية للحركة الصهيونية.

هذه الأهداف تستند الى بعض المبادئ الاساسية التالية للحركة الصهيونية:

  1. الحركة الصهيونية ليس فقط حركة عادلة، بل هي ايضاً حركة تلبي حاجة ملحة لليهود المُطهدين في أوروبا.
  2. الحضارة الاوروبية أرقى من الحضارة العربية، وفي هذا المجال من الممكن أن تساهم الحركة الصهيونية في تهذيب الشرقيين.
  3. الدعم الخارجي ضروري جدا لنجاح الحركةً خاصةً من دولة عظمى وأما عن العلاقات مع العالم العربي فهي ثانوية.
  4. القومية العربية هي حركة سياسية مشروعة، ولكن القومية الفلسطينية إما منعدمة او إذا كانت موجودة فهي غير شرعية.
  5. واخيراً اذا لم يرضخ الفلسطينيون لمطالب الحركة الصهيونية، فالرد الوحيد أمام الحركة هو إستعمال القوة القاهرة لإجبارهم على الرضوخ لإرادة الحركة.

أولا

مُعتنقي الفكرة الصهيونية يروا ان اليهود شعب أصيل لهم حق كامل غير قابل للتصرف في كل فلسطين مستندين لذلك لإشارة التوراة (او العهد القديم) لفلسطين بأنها ارض الميعاد المخصصة لقبائل بني اسرائيل. اما الصهاينة العلمانيين إعتمد أكثرهم على الحجة القائلة ان فلسطين وحدها هي التي تستطيع حل مشكلة التشتت اليهودي وشراسة معاداة الاوروبيين للسامية. في هذا السياق أشار وايزمان في عام 1930 ان إحتياجات 16 ملايين يهودي أكبر من إحتياجات مليون من العرب الفلسطينيين:

"وعد بلفور والانتداب البريطاني حتما فصلوا فلسطين من الشرق الأوسط، وربطوها بمشكلة اليهود في كل أنحاء العالم ... حقوق الشعب اليهودي في فلسطين لا يمكن ان تتوقف على رغبة ولا حتى على إرادة الأغلبية السكانية الموجودة في فلسطين في الوقت الحالي."

هذا الرأي كان أكثر تشدداً في الحركة الصهيونية التصحيحية (او التنقيحية) بقيادة جابوتينسكي حيث انها بررت أي عمل ضد العرب من اجل تحقيق الاهداف الصهيونية.

ثانيا

بشكل عام يشعر الصهاينة بأن الحضارة الاوروبية أرقى من الحضارة والثقافة العربية. ثيودور هيرتزل (مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية) ذكر في كتابه "الدولة العبرية" أن المجتمع اليهودي ممكن إستخدامه:

"كجزء من خط الدفاع عن أوروبا في آسيا، وكإمتداداً للحضارة ضد البربرية".

وايزمان ايضا إعتقد انهم يخوضن معركة الحضارة ضد الصحراء. برأيه الصهيونية ستجلب الإزدهار والتنمية الاقتصادية للعرب الغير متحضرين. وبالمثل ديفيد بن غوريون (القيادي العمالي الصهيوني) لم يستوعب لماذا يرفض العرب إستخدام المال اليهودي، والمعرفة العلمية والخبرة التقنية لتحديث الشرق الاوسط. وعزا هذا الرفض الى التخلف العرب بدلا من الاشارة الى ان الصهيونية تشكل إهانة للكرامة العربية وتطلعاتهم الوطنية.

ثالثا

اعترف القادة الصهاينة بحاجتهم لدعم خارجي لإعطائهم المظلة الشرعية في الساحة الدولية والتي ستساعدهم بتوفير الحماية القانونية والعسكرية في فلسطين. بريطانيا العظمى لعبت هذا الدور في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وإصبحت الولايات المتحدة الحليف الحميم للحركة منذ منتصف الاربعينات. أدرك القادة الصهاينة انهم بحاجة لتغيرات تكتيكية مع الاستمرار في العمل من اجل تحقيق اهدافها طويلة الأجل، على سبيل المثال التقليل من تطلعاتهم السياسية من خلال تصريحاتهم العلنية او حتى المطالبة علنياً بالقبول بدولة محدودة الاقليم بشكل مؤقت، اما بالنسبة للتواجد الفلسطيني ومتطلباته الوطنية فكانت تعتبرثانوية. القيادة الصهيونية لم تحاول على الإطلاق التحالف مع العالم العربي ضد البريطانيين والاميركيين. على العكس تماما، كان وايزمان على وجه الخصوص يرى انه يجب على الصهاينة دعم الامبراطورية البريطانية وحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. فيما بعد تطلع القادة الأسرائيلين للدولة اليهودية بأنها رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة في الشرق الاوسط.

رابعا

القياديون الصهاينة قبلوا فكرة الأمة العربية ولكنهم رفضوا مفهوم الامة الفلسطينية، واعتبروا السكان العرب المقيمين في فلسطين ما هم إلا جزء بسيط من العالم العربي. علاوة على ذلك لايزال الكثير من الصهاينة ينظرون للشعب الفلسطيني بأنه شعب يفتقر لأي هوية مستقلة وأي تطلعات وطنية مشروعة (انقر هنا ، لقراءة ردنا على هذه الخرافة الصهيونية). وايزمان وبن غوريون كان لديهم الأستعداد للتفاوض مع الحكام العرب من أجل كسب إعترافهم بدولة يهودية في فلسطين مقابل إعتراف الصهاينة بإستقلال العرب في أماكن اخرى، ولكن الصهاينة رفضوا التفاوض بأي شكل مع السياسيين فلسطينيين من أجل التوصل الى تسوية سياسية في وطنهم المشترك. في هذا السياق كتب وايزمان إلى سياسي بريطاني بارز عام 1918:

"الحركة الوطنية العربية في تطوير بشكل جدي في دمشق ومكة... وأما عن المسألة العربية في فلسطين فإنها ستأخذ طابعاً محلياً، وفي الواقع لا يمكن التعامل معهم بشكل جدي."

وتمشياً مع هذا التفكير قابل وايزمان الأمير فيصل إبن الحسين في السنة نفسها في محاولة لكسب موافقته على إقامة دولة يهودية في فلسطين مقابل الدعم المالي والسياسي الصهيوني لتوليه الحكم في سوريا الكبرى والحجاز.

بن غوريون ، وايزمان ، وغيرهم من القادة الصهاينة اجتمعوا مع كبار القادة المسؤولين العرب خلال عام 1939 وخلال مؤتمر لندن الذي عقدته بريطانيا لتسوية الصراع في فلسطين. إنتقد الدبلوماسيون العرب من مصر والعراق والسعودية وعد بلفور الذي منح فلسطين للطائفة اليهودية وأكدوا أن السبب الرئيسي وراء التباعد بين العرب واليهود هو تزايد الهجرة اليهودية. وردا على ذلك، اصر وايزمان ان فلسطين يجب ان تبقى مفتوحة لجميع اليهود الراغبين في الهجرة لها، واقترح بن غوريون انه يجب ان تصبح كل فلسطين دولة يهودية يربطها إتحاد فدرالي مع الدول العربية المجاورة. رفض المشاركون العرب هذه المطالب لأنها ستزيد من تفاقم الصراع بدلاً من المساهمة في البحث عن حل. الفرضية الصهيونية بأن الحكام العرب سيتجاهلون حقوق الشعب الفلسطيني مقابل الدعم الصهيوني المالي ولنيلهم الأستقلال كان خاطئاً.

خامسا

وأخيرا إستنتج القادة الصهاينة أنه اذا تعذرعلى الفلسطينيين القبول بالأهداف الصهيونية، فإذاً الحل الوحيد أمامهم هو إستخدام القوة لإجبار الفلسطينيين على الرضوخ للأهداف الصهيونية. وبحلول اوائل العشرينات، وبعد الأحتجاجات الفلسطينية ضد تزايد الهجرة اليهودية لفلسطين في يافا والقدس، إستنتج القادة الصهاينة بأنه قد يكون من المستحيل سد الفجوة بين اهداف الشعبين. بناء الوطن القومي حتما سوف يؤدي لتصادم لأن الأغلبية العربية لن توافق على ان يصبحوا أقلية. والواقع انه منذ عام 1919 قال بن غوريون بكل صراحة ووضوح:

"الكل يرى صعوبة العلاقات بين العرب واليهود. ولكن ليس الجميع يرى انه لا يوجد حل لهذه المسألة. لا يوجد حل!!! يوجد فجوة بين الطرفين ولا شيء يمكن سد هذة الفجوة... أنا لا أعرف أي عربي يوافق على ان تكون فلسطين لليهود... إننا كأمة نريد هذا البلد لتكون فيها دولتنا اليهودية؛ والعرب كأمة يريدون هذا البلد لتكون لهم."

عندما زادت التوترات في العشرينات والثلاثينات أدرك القادة الصهاينة أنه يجب إجبار الفلسطينيين على الرضوخ للأهداف الصهيونية. صرح بن غوريون في عام 1937 اثناء ثورة 36:

"هذه الحرب التي تشن ضدنا دوافعها وطنية ... المقاومة الفلسطينيين تشن ضدنا لأنهم يعتبرون اليهود مُغتصبين لوطنهم ... القتال ما هو إلا جانب فرعي من جوانب الصراع، ولاكن جوهر الصراع أهداف سياسية. من الجهة السياسية نحن المعتدون وهم المدافعون."

هذا الاستنتاج هو السبب الرئيسي الذي دفع بن غوريون بعيداً عن التفاوض مع الفلسطينيين العرب. على العكس تماماً، أصبح اكثر تصميماً على تعزيز القوات العسكرية اليهودية حتى تتمكن على إجبار الفلسطينيين على التخلي عن مطالبهم الوطنية.

الصهيونية العملية

من أجل تحقيق أهداف الصهيونية وإقامة الوطن القومي اليهودي، تعهدت الحركة الصهيونية الخطوات العملية التالية:

1. بناء الهياكل السياسية التي سيمكنها من تولي مهام الدولة في المستقبل.

2. أنشاء قوة عسكرية.

3. تشجيع الهجرة اليهودية.

4. إكتساب أكبر كمية ممكنة من الأراضي في فلسطين وتحويلها لممتلكات غير قابلة للتصرف (او كوقف) للشعب اليهودي.

5. انشاء الامتيازات الاحتكارية. إتحاد العمالي الصهيوني (الهستدروت) ضغط بقوة على الشركات اليهودية لتوظيف العمال اليهود فقط.

6. إنشاء هيئة مستقلة لتعليم اللغة العبرية وترسيخها في المدارس والمؤسسات الحكومية.

هذه الخطوات العملية خلقت نظاماً قائما بذاته على أرض فلسطين منفصلاً بش&#