فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث

 بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت

 English Version
الصفحة الأولى  صور  خرائط تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع  الصراع للميتدئين إتصل بنا من نحن
al-Janiya - الجانيه : إن بقينا سنأكل

شارك في تعليقك (تعليقين)
      أرسل لصديق
العودة إلى الجانيه

مشاركة itaf yousef  في تاريخ 9 حزيران، 2008

سألت أمي مرة إن كانت أنجبتني في الخلاء؟ فأكدت لي أنها أنجبتني في البيت، وأضافت أنها بعد أن أنهت أربعين يوماً على ولادتي، بدأت تصطحبني معها إلى الأرض، وكانت تعد لي مرجوحة من كيس خيش، تضع فيها جنبية وأنام فيها أثناء عملها مع أبي في الأرض.
لذا نشأت اعشق الخلاء والعشب والريح والمطر وكل ما له علاقة بالطبيعة، وحتى الآن لا أشعر بأن هناك ما يفرج كربي ويشعرني بالانطلاق، أكثر من أمشي بعيداً في الخلاء، انزل إلى الوادي ثم أعود، وأحب كل ما تنتجه الأرض من نباتات يرى فيها البعض أنها أصبحت موضة قديمة، فلا زلت التقط الخبيزة والهندبة والخس البري والزعتر وأشياء أخرى كثيرة.
منذ أن وعيت على الدنيا لم اعرف لأبي أي عمل سوى الزراعة، وكل ماله علاقة بها من حراثة وتعشيب وري، وأمي كانت دوما مرافقة له، لم تكن تهدأ، فإن كان أبي يحرث الأرض تحمل أمي فأساً وتنظف عروق الشجر، أو تسقي المزروعات أو تعشبها. ومنذ صغرنا كنا نشارك في معظم الأعمال الزراعية. وبما أن الأرض التي كنا نزرعها كانت بعيدة نوعا ما عن القرية، وكان من الصعب أن نذهب إليها يومياً ونعود، فقد قام أبي بنصب خيمة في البداية، ثم بنا غرفة صغيرة بالقرب من نبع الماء، الذي كنا نعتمد عليه في ري المزروعات. ما أن تخف الأمطار ومع بداية موسم الزراعة كنا نغادر القرية، حاملين ما هو ضروري جداً من الأمتعة لنسكن في الأرض، حتى نمارس أعمالنا الزراعية، وفي آخر النهار نأوي إلى تلك الغرفة، نرتاح حتى فجر اليوم التالي، لنصحو على زقزقة العصافير وهديل الحمام وانسياب الماء.
لم تكن الحياة كلها وردية مريحة، بل ترافقت مع الشقاء والكد المتواصل طول النهار، كانت أمي تعد لنا خبز الطابون، وكنا نبحث مطولاً حتى نجد البيض الذي وضعته الدجاجات التي كنا نربيها في قن صغير تحت إحدى الزيتونات، وأصبحنا نطلق عليها فيما بعد "زيتونة الجاج".
عام 1967 عندما بدأت الحرب، كنا هناك، وكانت الأرض تزدهي بخضرتها التي زرعناها فيها، ومن ضمن المزروعات الفاصوليا الخضراء، وهذا النبات يحتاج إلى ركائز خشبية ليتسلق عليها.
يوم 5-6-1967 وعندما بدأت الحرب كنت وحدي هناك مع أختيّ الصغيرتين، بينما كان ابي يقطع فروعاً من الأشجار، وأمي وأختي الكبيرة تحملانها من الجبل المقابل لاستخدامها كركائز للفاصوليا.
كان صوت الطائرات الحربية يخيفني، فقد كانت تسير من فوقي مخترقة جدار الصوت، محدثة انفجارات كالرعد، ولم أكن معتادة على سماع تلك الأصوات من قبل.
بعد الظهر بدأ ابي في ري الفاصوليا، ليهيئ الأرض لغرس الركائز الخشبية، وفي نفس الوقت بدأ أهل القرية بالتدفق على المكان الذي كنا فيه، لم نكن على علم بأن الحرب قد بدأت، وقد جاء الناس يحتمون بأشجار الزيتون هرباً من القرية حتى لا يحدث لهم ما حدث في دير ياسين.
فرحت كثيراً بوجود الأطفال، لكن فرحتنا أجهضت على يد الكبار، عندما منعونا من الحركة والصخب حتى لا تكشفنا الطائرات، وحصلت مشاحنات كثيرة بين الأزواج وزوجاتهم، فهم يريدون أكلاً مطبوخاً على النار وخبزاً في الطابون دون دخان.
كانت الأخبار متضاربة، صوت العرب يقول أن القوات المصرية على حدود تل أبيب، وأيده أحد الموجودين وأقسم الأيمان الغليظة على صدق ذلك، لأنه سمع أم كلثوم تغني من الإذاعة الإسرائيلية، بينما ظل ابن عمتي "هاشم" غير مصدق، وكان يحمل مذياعه الصغير وينزوي بعيداً، يسمع الأخبار من الإذاعة الإسرائيلية، وكان هو من أخبرنا بسقوط القدس، خاصة عندما سمع المذيع الإسرائيلي يقول: "هنا صوت إسرائيل من شعفط"، ففهم مباشرة أن شعفط تعني شعفاط، وأن الإسرائيليين وصلوا القدس حقيقة، لكن لا أحد صدقه في البداية.
أبي كان مزعوجاً من وجود الناس، وخاصة الأطفال، لذا طلب من الكبار منع أولادهم من دخول الأراضي المزروعة، والبقاء تحت شجر الزيتون، وكان يسقي الفاصوليا ويثبت الركائز الخشبية، وعندما قال له أحدهم واصفاً إياه بالمجنون، لأنه يعتني بالمزروعات وهو يعلم أنه راحل بعد أيام، رد عليه أبي دون أن ينظر إليه، وكان يثبت إحدى الركائز بينما كنت أمسكها له: "سأظل اعتني بها، إن بقينا سنأكل منها، وإن لم نبق سيأكل منها من سيأتون بعدنا".
انتهت الحرب وعاد الناس إلى القرية، وأجبرونا على العودة معهم خوفا علينا، قائلين: "الموت مع الجماعة رحمة" ولا يجوز أن يبقى رجل وزوجته وأربع بنات وحدهم في الخلاء.
ونحن نغادر وقفت أمي باكية وهي تودع الأرض، وقالت جملة لن أنساها: "يا تعبي يا شقايّ".
لم نرحل، وبعد أيام عدنا إلى الأرض، لكن في النهار فقط، أثمرت الفاصوليا وأكلنا منها وبعنا ما زاد عن حاجتنا منها ومن الكوسا والبندورة والفقوس ومنتوجات أخرى كنا قد زرعناها.





إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك في تعليقك

مشاركة ahmad robin_samhan في تاريخ 24 حزيران، 2008 #43467

أن نسمع عن قصص الآباء وذكريات الأرض ...أمر رائع والأكثر روعة أن نسمع ذلك من كاتبة مبدعة .. هي بنت الأرض التي أنتمي إليها، وأشعر أن خلايا دمي تحمل بعضا من ذراتها..
لك الشكر والتقدير على ما أثرته بنا من مشاعر الحنين ووشائج الانتماء .. ننتظر منك المزيد

مشاركة ضياء ابو فخيدة  في تاريخ 21 حزيران، 2008 #43027

شكرا اختي الكاتبة على هذه القصة الواقعية التي تقربنا نحن الجيل الجديد الى رائحة الاجداد وصلابتهم وتمسكهم بالارض وروح النضال حتى لو بالكلمة وكم اتمنى سماع القصص من كبار السن وهم يرون لنا الدور البطوالي الذي كانو قد عاشوهومواقفهم الرجولية في حماية ارضهم وبيوتهم واعراضهم من العدوان ...شكرا اختي الكاتبة

 

الصفحة الأولى | من نحن | الخرائطحق العودة 101 | صور  | إبحث
 الصراع للميتدئين | تسلسل زمني للتاريخ الفلسطيني | حسابك | سجل الزوار | روابط | نهب فلسطين 101 | إتصل بنا
تاريخ شفوي | تبرع

  كل حقوق الطبع محفوظه. 1999-2006 @